السيد كمال الحيدري
435
أصول التفسير والتأويل
ثمّ قال : « ومن زعم أن لا معنى للقرآن إلّا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبرٌ عن حدّ نفسه ، وهو مُصيبٌ في الإخبار عن نفسه ، ولكنّه مخطئٌ في الحكم بردّ الخلق كافّة إلى درجته التي هي حدّه ومحطّه ، بل الأخبار والآثار تدلّ على أنّ في معاني القرآن متّسعاً لأرباب الفهم ، قال علىٌّ رضي الله عنه : « إلّا أن يؤتى الله عبداً فهماً في القرآن » . فإن لم يكن سوى الترجمة المنقولة ، فما ذلك الفهم ؟ وقال علىٌّ كرّم الله وجهه : « لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب » . فما معناه وتفسير ظاهرها في غاية الاقتصار . وقال أبو الدرداء : لا يفقه الرجل حتّى يجعل للقرآن وجوهاً . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : من أراد علم الأوّلين والآخرين فليتدبّر القرآن ، وذلك لا يحصل بمجرّد تفسير الظاهر » « 1 » . ثمّ يحاول أن يبيّن الفرق بين الظاهر والباطن من خلال مثل قرآني قال فيه : « ويدرك الفرق بين حقائق المعاني وظاهر التفسير بمثال ؛ وهو أنّ الله عزّ وجلّ قال : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ( الأنفال : 17 ) ، فظاهره تفسير واضح وحقيقة معناه غامض . فإنّه إثبات للرمى ونفى له ، وهما متضادّان في الظاهر ما لم يفهم أنّه رمى من وجه ولم يرمِ من وجه ، ومن الوجه الذي لم يرم رماه الله عزّ وجلّ . وكذلك قال تعالى : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ( التوبة : 14 ) ، فإذا كانوا هم المقاتلين كيف يكون الله سبحانه هو المُعذِّب ؟ وإن كان الله تعالى هو المعذِّب بتحريك أيديهم ، فما معنى أمرهم بالقتال ؟
--> ( 1 ) إحياء علوم الدِّين : ج 1 ص 289 .